أحمد بن علي القلقشندي

96

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وباب الصغير ، وباب الجابية ، وباب الفراديس ، والباب المسدود . وروى الحافظ بن عساكر عن أبي القاسم تمّام بن محمد ( 1 ) : أن بانيها جعل كل باب من هذه لكوكب من الكواكب السبعة ، وصوّر عليه صورته ، فجعل باب كيسان لزحل ، وباب شرقيّ للشمس ، وباب توما للزّهرة ، وباب الصغير للمشتري ، وباب الجابية للمرّيخ ، وباب الفراديس لعطارد ، والباب المسدود للقمر . وعلى كل حال فهي مدينة حسنة الترتيب ، جليلة الأبنية ، ذات حواجز بنيت من جهاتها الأربع ؛ وغوطتها أحد مستنزهات الدنيا العجيبة المفضلة على سائر مستنزهات الأرض ، وكذلك الرّبوة وهي كهف في فم واديها الغربيّ ، عنده تنقسم مياهها ، يقال إن به مهد عيسى عليه السلام . وبها الجوامع والمدارس ، والخوانق والرّبط والزوايا والأسواق المرتبة والديار الجليلة المذهبة السّقف المفروشة بالرخام المنوّع ، ذات البرك والماء الجاري . وربما جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها والماء محكَّم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم ؛ وهي في وطاءة مستوية من الأرض بارزة عن الوادي المنحطَّ عن منتهى ذيل الجبل ، مكشوفة الجوانب لممر الهواء إلا من الشّمال فإنه محجوب بجبل قاسيون ، وبذلك تعاب وتنسب إلى الوخامة . قال في « مسالك الأبصار » : ولولا جبلها الغربيّ ( 2 ) الملبّس بالثلوج صيفا وشتاء ، لكان أمرها في ذلك أشدّ ، وحال سكَّانها أشقّ ؛ ولكنه درياق ( 3 ) ذلك السم ، ودواء ذلك الداء . وهي مستديرة به من جميع نواحيه . قال في « مسالك الأبصار » : وغالب بنائها بالحجر ودورها أصغر مقادير من دور مصر لكنها أكثر زخرفة منها وإن كان الرخام بها أقل ، وإنما هو أحسن أنواعا . قال : وعناية أهلها بالمباني كثيرة ، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه ؛ وإن كانت حلب أجلّ بناء لعنايتهم بالحجر ، فدمشق أزين وأكثر رونقا لتحكم الماء على مدينتها وتسليطه على جميع نواحيها ، ويستعمل في عماراتها خشب

--> ( 1 ) من حفاظ الحديث ، مغربي الأصل ، توفي سنة 414 ه ( الأعلام : 2 / 87 ) . ( 2 ) المقصود جبل الشيخ . ( 3 ) يقال : الدرياق والترياق ، وهو ما يمنع امتصاص السمّ . ( الوسيط : 85 ) .